لابد انك قد سمعت شيئا عن تقنية كريسبر، كأحد الوسائل التي جعلت من الممكن دراسة جينات أي كائن حي بسهولة وبالتالي امكانية تعديل الجينات والتخلص من بعض الأمراض والحصول على محاصيل أفضل. هذا بالاضافة الى بعض الاستخدامات المثيرة للجدل، مما جعل تقنية كريسبر واحدة من المواضيع العلمية الأكثر نقاشا.

ما هو كريسبر وكيف يعمل؟

كريسبر (CRISPR) هو اختصار (Clustered Regularly Inter-spaced Short Palindromic Repeats) ويعني التكرارات العنقودية القصيرة المتناوبة والمنتظمة التباعد في الجينوم. وهي في الواقع مجرد متواليات تتكرر ولها الكثير من المسافات بينهما. في عام 1987، اكتشف الباحثون هذه التتابعات، التي اتضح أنها شائعة جدا في جينوم البكتيريا، ولكن لم يكن لديهم أي فكرة عن الغرض منها. في هذه التتابعات، تحتفظ البكتيريا بذاكرة وراثية (نسخة من DNA الفيروسات) للفيروسات التي هاجمتها في الماضي، فإذا هاجمها احد هذه الفيروسات مرة أخرى، فإن نظام البكتريا يتعرف عليه (عن طريق المطابقة مع RNA خاص بها والذي تم انشاءه على ضوء الهجمات السابقة) ويقوم بتدميره. ولكن هذا لم يكن معروفا حتى عام 2009 حينما اكتشف العلماء في شركة الغذاء دانيسكو أن هذه المتواليات هي وسائل دفاعية للبكتيريا ضد الفيروسات.

هذه التتابعات في الحمض النووي DNA لا يمكن الكشف عنها من قبل المستهدِف وهي التي تقوم بتدمير الفيروسات ذاتيا، عن طريق تكوين عاملين مساعِدَين هما الإنزيم Cas9 والحمض الموجه RNA (الذي يمثل نسخة طبق الاصل من الحمض النووي للفيروس) في تشكيل اشبه ما يكون بيد مع مقص. حيث يكون الحمض النووي الريبي(RNA) هو اليد التي توجه المقص إلى الحمض النوويDNA الذي يطابق الذاكرة الجينية، ليتم تحديد الهدف. بينما يعمل الانزيم Cas9 مثل المقص الذي يقطع الحمض النووي(DNA) للهدف ويدمره. ويمكن استخدام بروتين آخر،وهو Cpf1، بدلا من Cas9، والذي هو أبسط وأكثر دقة. الشئ المهم ان حارس الخلية هذا (الإنزيم Cas9 والحمض الموجه RNA) يمكن برمجته للتعرف على سلاسل حمض معينة واستهدافها.

ففي عام 2012، استخدم احد الباحثين نظام البكتيريا هذا لاستهداف تسلسل معين، ليجعل منه أداة تعديل للجينوم. في الخطوة الاولى يقوم العلماء باستبدال هذه التتابعات الفيروسية المخزونة في الجينوم بأي تسلسل يريدونه، ثم يقوم النظام الدفاعي بعدها بمطاردة وتدمير هذا التسلسل الجيني في الجينوم المراد تعديله وبالطريقة التي ذكرناها اعلاه عن طريق تكوين بروتين وحمض ريبوزي موجه. مما وفر امكانية استهداف وتعديل أجزاء محددة جدا من الحمض النووي(DNA). واصبح الباحثون قادرون بسهولة على إدراج، او حذف، أو إصلاح الحمض النووي(DNA).

لماذا تعتبر تقنية كريسبر مهمة؟

في الحقيقة كريسبر لم يأتي بشئ جديد تماما. فقد قام العلماء بتعديل الجينات منذ وقت سابق. ولكن ما وفرته طريقة كريسبر هو انها جعلت تعديل الجينات أسهل بشكل لا يصدق وأرخص.

قبل حوالي 10 سنوات، اكتشف علماء الأحياء الإنزيمات التي تسمى (zinc finger nucleases) التي كانت احدى الطرق لتحرير الجينومات. ولكنها كانت تكلّف ما يزيد عن 5000 دولار أمريكي وتنطوي على بعض الصعوبة في التطبيق. بينما طريقة كريسبر يمكن أن تكلف أقل من 30 $. ومن السهل أيضا لعالم أحياء جزيئية مبتدئ استخدامها، مما جعل الطريقة سهلة المنال.

مع ذلك فقد اثيرت ضجة حول استخدامات كريسبر المثيرة للجدل، مثل إحياء الماموث الصوفي وخلق الأطفال المصممين. على الرغم من كونه يقود الى أكبر ثورة في المختبر، حيث اصبح العلماء الآن قادرين على التلاعب والسيطرة على أي جين بسهولة. ويمكنهم دراسة جينات البشر، والأمراض الرئيسية، والغذاء المهم اقتصاديا، والحيوانات المهددة بالانقراض، والقائمة تطول وهلم جرا. سابقا كانت الكائنات الحية التي يمكن درساتها مقتصرة على عدد قليل من الكائنات النموذجية مثل ذبابة الفاكهة ونبات الأرابيدوبسيس. اما الآن فتقريبا يمكن دراسة كل الكائنات، كما انه جعل الطب كأحد المجالات التي يجري استكشافها وتطويرها، حيث يمكن استخدام كريسبر للقضاء على الطفرات والأمراض، ويمكن القول انه توجد طرق لا نهاية لها لإستخدام كريسبر، في كل جزء تقريبا من الحياة.

لماذا يعتبر استخدام كريسبر مثيرا للجدل؟

تمتلك طريقة كريسبر  القدرة على تغيير الجينوم بسهولة جدا، لذلك فمن الطبيعي أن نرى بعض الناس يشعرون بالقلق حيالها. أحد الأمثلة المقلقة هي أن احد الباحثين طوّر فيروس مع كريسبر-Cas9 له القدرة على أعطاء سرطان الرئة البشري للفئران. مثل هكذا خطأ صغير يمكن أن يعمل على الرئتين البشرية أيضا. وفي عام 2015، تم تطبيق هذه التقنية على الأجنة البشرية، والتي تسببت في نقاشات أخلاقية كثيرة.

               [هل سنسمح بتعديل الاجنة]  Image credits: lunar caustic
إذا قمت بتغيير شيء ما في الخط الجرثومي، فإن هذا التغيير سيكون دائم وسيتم تمريره إلى الأجيال القادمة. اي انه مع زيادة امكانية التقنية تصبح المسؤولية اكبر، لذلك من الضروري السيطرة على استخدامات كريسبر.

امكانية كريسبر ودورها في مستقبل تعديل الجينات

  • تشمل التجارب الأولى حقن الخلايا المعدلة وراثيا مباشرة في الأنسجة أو أخذ الخلايا منها، وهندستها في المختبر، واستبدالها.
  • يمكن استخدامه لإصلاح الأخطاء في الجينوم البشري الذي يسبب اضطرابات أو أمراض. ويمكن القضاء على الأمراض التي تسببها الطفرات الجينية، مثل فقر الدم، الهيموفيليا، التليف الكيسي، مرض هنتنغتون، وضمور العضلات دوشين.
  • يمكن لتقنية كريسبر-Cas9 نظريا قطع الحمض النووي السيئ واستبدالها بحمض نووي جيد. وقد تمكن العلماء من تحرير فيروس نقص المناعة البشرية من الحيوانات المصابة والخلايا المناعية البشرية. ومع ذلك، فإنه يمكن أن يجعل فيروس نقص المناعة البشرية أقوى.
  • حاليا هنالك بعض الامور التي تمنع تعديل الحمض النووي بواسطة كريسبر (بينما تظهر امكانية حذف الطفرات مؤشرا للعمل بشكل أفضل)، ربما تتطلب بعض الوقت قبل أن تتوفر هذه الطريقة، خصوصا وأنها تملك إمكانات هائلة لعلاج الأمراض.
  • CRSIPR ليس مجرد أداة تحرير الجينات، حيث يمكنه أيضا تفعيل اوايقاف بعض الجينات. على سبيل المثال، يمكنك إيقاف الجينات التي تجعل السرطان ينمو أو يتقبل الفيروس. ويمكنه أيضا ان يستخدم لفحص مجموعة متنوعة من الأمراض والمشاكل الصحية. على سبيل المثال، يمكن أن يستخدم بسرعة وبتكلفة زهيدة لفحص دقيق(مسح) لفيروس زيكا في الاشخاص.


  • بالنسبة للمحاصيل، فأننا لا تحتاج إلى إدخال أي DNA غريب في النبات، لأن كريسبر يعمل كنسخة سريعة من الانتقاء الطبيعي مسيطر عليها بإحكام من قبل البشر. ويمكن جعل النباتات تزهر وتثمر في وقت مبكر، او جعلها تلائم الطقس المحلي. كما انه يمكن أن يستخدم لإنتاج النسخة المثلى من المحصول، مثل تلك التي لديها ثمار أكبر، ومقاومة للأمراض والبرودة، الخ.
  • إحدى الإمكانات التي تثير الكثير من القلق الأخلاقي هو تغيير الأجنة بشكل دائم. فإذا كان طفلك معرضا لخطر القلب أو تريد منع مرض الزهايمر فيمكن أن يحتمل تعديله. الناس يخشون أن يتصاعد هذا الامر بسرعة إلى مرحلة يقوم الاشخاص باختيار لون عيون طفلهم أو غيرها من الصفات “المرغوبة” لأولادهم. وربما يمكن تأجيل الشيخوخة أو عكسها. حاليا تعتبر هذه من المخاوف في المستقبل الضبابي لكريسبر- CAS9 خصوصا وان هذه التقنية ليست دقيقة كما ينبغي لتعديل الجنين البشري. فما نريده هو أداة تعمل بدقة لا تقل عن 100٪. ببساطة، ليس هناك مجال للخطأ عند محاولة تحرير الجينوم البشري – في حال تم فعل ذلك.

وعليه فنحن بحاجة إلى وضع قانون للأخلاقيات التي تنظم استخدام كريسبر قبل أن تصبح هذه التكنولوجيا ناضجة جدا للااستخدام بشكل موثوق على البشر.

المصدر: 1 2

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

لماذا يحدث الشفق القطبي، تلك الالوان الخلّابة؟؟

كما هو معلوم ان الشفق هو مزيج من