اعتمادا على قدرتها على توصيل التيار الكهربائي، يمكننا تقسيم المواد إلى فئتين. فهنالك المعادن، مثل النحاس والفضة، التي تسمح للإلكترونات للتحرك بحرية وحمل الشحنات الكهربائية ولذلك هي مواد موصلة. والعوازل، مثل المطاط أو الخشب، التي تمسك بإلكتروناتها بإحكام ولا تسمح بتدفق التيار الكهربائي.

في أوائل القرن العشرين طوّر الفيزيائيون تقنيات مختبرية جديدة لتبريد المواد إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق (-273 درجة مئوية)، وبدأوا البحث في كيفية تغيّر قدرة المواد على التوصيل الكهربائي في مثل هذه الظروف القاسية. فلاحظوا في بعض العناصر البسيطة مثل الزئبق والرصاص سلوكا استثانيا – ففي درجة حرارة منخفضة يمكن لهذه المواد إمرار التيار الكهربائي بدون مقاومة. منذ هذا الاكتشاف وفي العقود التي تبعته وجد العلماء سلوكا مشابها في آلاف المركبات، ابتداءا من السيراميك إلى الأنابيب النانوية الكربونية.

في هذه الحالة فأن هذه المواد الجديدة لا تنتمي لا للمعادن ولا للعوازل، لذلك تم تصنيفها كفئة ثالثة واطلق عليها الموصلات الفائقة. فالموصل الفائق يقوم بالتوصيل الكهربائي بشكل مثالي، وهذا يعني أن التيار الكهربائي في سلك فائق التوصيل سيستمر في الدوران في الدوائر الكهربائية لمليارات السنين، دون ان يتسبب في اضعافه أو تبدده.

السبب في سلوك المواد الفائقة التوصيل

على المستوى المجهري تتصرف الإلكترونات في الموصل الفائق بشكل مختلف عن تلك الموجودة في المعدن العادي. حيث في درجات حرارة منخفضة تقترن الإلكترونات فائقة التوصيل معا، مكونة ما يسمى اقتران كوبر (نسبة لاحد العلماء الذين اكتشفوا هذه الميزة) مما يسمح لهم بالحركة بكل سهولة، بينما الإلكترونات المنفردة تتعثر في الحركة. هذا السلوك تقريبا مماثل لاجراء اعطاء الركاب المستمتعين معا الأولوية على الطريق السريع المزدحم. حيث ان الإلكترونات المقترنة يتم منحها الأولوية للانتقال بصورة سريعة خلال المادة.

وقد وجدت الموصلات الفائقة تطبيقات خارج المختبر في تقنيات مثل التصوير بالرنين المغنطيسي (MRI). حيث تستخدم أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الموصلات الفائقة لتوليد حقل مغناطيسي كبير يعطي الأطباء طريقة غير جراحية لتصوير جسم المريض. كما مكنت مغانط التوصيل الفائق من الكشف مؤخرا عن بوزون هيغز في مصادم سيرن CERN، عن طريق ثني وتركيز الاشعة من الجسيمات المتصادمة.

استخدام الموصلات الفائقة في التصوير بالرنين المغناطيسي

خاصية الرفع

تظهر أحد الخصائص المثيرة للاهتمام والواعدة في المستقبل للموصلات الفائقة عندما توضع بالقرب من مغناطيس قوي. يؤدي المجال المغناطيسي الى توليد تيارات كهربائية تلقائيا على سطح الموصل الفائق، وهذه التيارات بدورها تولد مجال مغناطيسي خاص بها معاكس للمجال الاصلي. ليكون التأثير الناتج ان الموصل الفائق يرفع بشكل كبير فوق المغناطيس، ويبقى معلقا في الهواء من قبل قوة مغناطيسية غير مرئية. وهو ما يسمى بتأثير ميسنر(نسبة للعالم الذي ساهم بأكتشافه).  شاهد فيديو ارتفاع الموصل الفائق فوقالمغناطيس هنا


ان احد المعوقات التي تمنع الاستخدام الواسع لهذه المواد هو حقيقة أن الموصلات الفائقة التي نعرفها تعمل فقط في درجات حرارة منخفضة جدا. فمثلا في العناصر البسيطة  تتوقف خاصية الموصلية الفائقة في درجة حرارة 10 كلفن، أي -263 درجة مئوية. اما في مركبات أكثر تعقيدا، مثل (YBa2Cu3O7)، فأن الموصلية الفائقة قد تستمر لدرجات حرارة أعلى، وتصل إلى 100 كلفن (-173 درجة مئوية). قد يعتبر هذا تحسناً مقارنة مع العناصر البسيطة، لكنه لا يزال أكثر برودة من أبرد ليلة شتاء في القارة القطبية الجنوبية.

يأمل العلماء مستقبلا في إيجاد مادة ذات خصائص فائقة التوصيل يمكن استخدامها في درجة حرارة الغرفة، ولكنها مهمة صعبة، حيث ان ارتفاع درجة الحرارة يميل إلى تدمير الروابط التي تربط الإلكترونات وتجعل منها أزواج فائقة التوصيل، وبالتالي تعود المادة إلى حالتها المعدنية العادية. إن أحد التحديات الكبرى في هذا المجال تنبع من حقيقة أننا لا نفهم حتى الآن الكثير عن هذه الروابط، إلا في حالات قليلة محدودة.

من ذرة فائقة إلى موصل فائق

في بحوث جديدة من جامعة جنوب كاليفورنيا ربما تقدمنا خطوة جديدة نحو تحسين فهمنا لكيفية نشوء الموصلية الفائقة. فبدلا من دراسة الموصلية الفائقة في المواد الضخمة مثل الأسلاك، تمكن فيتالي كريسين وزملاؤه من عزل وفحص كتل صغيرة من بضع عشرات من ذرات الألمنيوم. هذه المجموعات الصغيرة من الذرات يمكن أن تتصرف مثل “ ذرة فائقة “، وتتشارك الإلكترونات بطريقة وكأنها ذرة واحدة، عملاقة.

ما يثير الدهشة هو أن قياس هذه المجموعات كشف ان الإقران الإلكتروني استمر على طول الطريق الى حرارة تصل إلى 100 كلفن (-173 درجة مئوية). بطبيعة الحال فأن هذه لا تزال درجة حرارة منخفظة، ولكنها 100 مرة أعلى من درجة الحرارة التي تجعل قطعة من أسلاك الألمنيوم فائقة التوصيل.
فلماذا حفنة صغيرة من الذرات تكون فائقة التوصيل في درجة حرارة أعلى بكثير من الملايين من الذرات التي تشكل الأسلاك؟
الفيزيائيون لديهم بعض الأفكار ولكن غير اكيدة الى حد كبير، وقد يكون هذا وسيلة مثيرة للاهتمام في السعي الى الأمام في الوصول للتوصيل الفائق في درجات حرارة أعلى.

 

مستقبل الواعد للمواد الفائقة التوصيل

إذا تمكن الفيزيائيون من تحقيق هدف التوصيل الفائق لدرجة حرارة الغرفة في مادة فيكون من السهل أن تستخدم في الأسلاك، والتكنولوجيات الجديدة المهمة. وكبداية، فإن الأجهزة التي تستخدم الكهرباء ستصبح أكثر كفاءة وتستهلك طاقة أقل.

كما أن نقل الكهرباء عبر مسافات بعيدة سيصبح أسهل بكثير، وهو أمر مفيد بشكل خاص لتطبيقات الطاقة المتجددة – وقد اقترح البعض استعمال كابلات فائقة التوصيل عملاقة تربط أوروبا بمحطات الطاقة الشمسية في شمال أفريقيا.

وحقيقة أن الموصلات الفائقة ترتفع فوق مغناطيس قوي، أيضا يخلق الإمكانية لقطارات فائقة السرعة ترتفع فوق المسار المغناطيسي. وقد جرب المهندسون اليابانيون استبدال عجلات القطار بموصلات فائقة كبيرة تحمل العربات على بعد بضعة سنتيمترات فوق المسار. الفكرة تعمل من حيث المبدأ، ولكنها تعاني من حقيقة أن القطارات تحتاج إلى حمل خزانات باهظة الثمن من الهليوم السائل معها من أجل الحفاظ على الموصلات الفائقة باردة.

الفيدو ادناه توضيح لفكرة القطار فائق التوصيل

العديد من تقنيات التوصيل الفائق ستبقى على الأرجح مجرد افكار، أو مكلفة التنفيذ للغاية ، ما لم يتم اكتشاف موصل فائق يعمل في درجة حرارة الغرفة. إلا أنه من الممكن أن يمثل التقدم الذي أحرزته مجموعة كريسين علامة فارقة في هذه الميدان.

المصادر 1 2 3 4 5 6

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

قريبا قد تكون حافظة هاتفك وإطارات سيارتك مصنوعة من السكـريات النباتيــة المتجددة

يتم إنتاج المطاط الصناعي والبلاستيك – المستخدم في